أبي منصور الماتريدي

561

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قال بعضهم : أي : ينهاكم عما ذكر كله . لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . وتنتهون عنه ، وقال بعضهم : الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية ، وتصرفها إلى طاعة الله ، وقد ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها . يحتمل أمره « 1 » بوفاء العهد ، العهود التي يعطي بعضهم لبعض ، أمرهم بوفاء ذلك ، ونهاهم عن نقضها ، ويلزمهم وفاء عهد الله وإن لم يعاهدوا في ذلك ، لكنه ذكر وفاء العهد إذا عاهدوا ونهى عن النقض ؛ لأن ترك وفاء ما عاهدوا ، ونقض ما أعطوا على ذلك شرطا أقبح وأفحاش مما لم يعاهدوا ، وهو كقوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا [ المائدة : 7 ] ؛ ترك الوفاء ونقضه بعد قولهم : سَمِعْنا وَأَطَعْنا : أفحاش ، وأفحاش من نقضه إذا لم يكن لهم عهد سابق وشرط متقدم ، وهذا - والله أعلم - معنى أمره بوفاء العهد إذا عاهدوا ، وإن كان وفاء العهد لازما لهم ، وإن لم يعاهدوا ؛ إذ جعل الله البشر بحيث يقبلون الحكمة والمحنة ، وجعل بنيتهم وخلقتهم بحيث يقدرون على القيام بذلك ، كقوله : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها . . . الآية [ الأحزاب : 72 ] ، أي : أبي خلقتهم وبنيتهم ، أي : لم يجعل خلقة هذه الأشياء وبنيتها [ بحيث ] « 2 » تحتمل ذلك ، وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ، أي خلقته وبنيته تحتمل ذلك والقيام بها ، وتحتمل أن تكون العهود التي أمر بوفائها إذا عاهدوا على الأيمان التي يقيمون بها ، حيث قال : وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها : ذكر الأيمان ونهى عن نقضها ، ثم لا يحتمل أن يكون النهي عن النقض في الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف ؛ لأنه نهى عن نقضها ، ولو كان يأثم بعقدها لكان لا ينهى عن نقضها ؛ لأن الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف [ يؤمر ] « 3 » بنقضها أو لا يؤمر بوفائها وحفظها ، ثم ذكر فيه بعد توكيدها ، ولم يسغ نقض اليمين ، وإن لم يؤكدها إذا لم يكن في الوفاء بها إثم ، لكنه ذكر التوكيد ؛ لأن النقض بعد ذلك أقبح وأفحاش من النقض على غير التوكيد ؛ على ما ذكر « 4 » من القبح والفحاش في بعض العهود بعد ما عاهدوا . وقال بعضهم : قوله : بَعْدَ تَوْكِيدِها هو حلفهم بالله ؛ لأن مشركي العرب كانوا لا

--> ( 1 ) في أ : أمرها . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في ب : ذكرنا .